الاثنين، 10 نوفمبر 2014

الإخـلاص



الإخلاص هو حقيقة الدين ، ومفتاح دعوة المرسلين ، إنه مسك القلوب وماء حياتها ، بل إن مدار الفلاح عليه قال تعالى : ) وَما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (البينة 5 . وقديماً قيل : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق . قال تعالى ) فاعبد الله مخلصاً له الدين ( الزمر 302 .
وروى الحاكم أن النبي قال لمعاذ بن جبل : ( أخلص دينك يكفك القليل من العمل ) وعن أبي هريرة أن رسول الله قال:( قال تعالى:أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه ) رواه مسلم .
وفي الترغيب والترهيب عن أنس أن النبي قال : ( إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحف مختمة ، فيقول الله عز وجل ألقوا هذا ، واقبلوا هذا  فتقول الملائكة : وعزتك ما كتبنا إلا ما كان ، فيقول إن هذا كان لغيري  ولا اقبل اليوم إلا ما كان لي ) .  ويروى عن الحسن قال : " كانت شجرةٌ تعبد من دون الله ، فجاء إليها رجلٌ فقال : لأقطعن هذه الشجرة ، فجاء إليها ليقطعها غضباً لله ، فلقيه الشيطان في صورة إنسان فقال : ما تريد ؟ قال أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تُعْبَدُ من دون الله ، قال : إذا أنت لم تعْبدها فما يضرك من عبدها ؟ قال لأقطعنها ، فقال له الشيطان : هل لك فيما هو خيرٌ لك من ذلك لا تقطعها ولك ديناران إذا أصبحت عند وسادتك ، قال فمن لي بذلك ؟ قال : أنا لك ، فرجع فأصبح فوجد عند وسادته دينارين ، ثم أصبح فلم يجد شيئا فقام غضبان ليقطعها ، فتمثل له الشيطان في صورته فقال ما تريد ؟ قال اريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله ، قال كذبت ، ما لك إلى قطعها من سبيل فذهب ليقطعها ، فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله ، ثم قال له : أتدري من أنا ؟ فأخبره أنه الشيطان وقال : جئت أول مرّة غضباً لله ، فلم يكن لي عليك سبيل ، فخدعتك بالدينارين فتركتها  فلما فقدتهما جئت غضباً للدينارين فسُلِطت عليك " . وقيل أن رجلاً كان يخرج في زيّ النساء ، فيحضر حيث يحضرن من عرس ، فاتفق أنه حضر يوماً موضعاً فيه مجتمع النساء ، فسُرِقت دُرّة فصاحوا : أغلقوا الباب حتى نفتش   ففتشوا واحدة واحدة ، حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه ، فدعا الله بإخلاص وقال : إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا ، فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحوا : أطلقوا الحرّة فقد وجدنا الدرّة .  
 إن الذي يعمل بغير إخلاص ولا اقتداء ، كمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه ، ولهذا سيأتي أقوام يوم القيامة بأعمال كالجبال لكنها لا تنفعهم لأنها فقدت أهم شروط قبولها :(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً )  فما هو الإخلاص ؟ وما هو الفرق بين الإخلاص والرياء ؟
 الإخلاص :  أن يكون قصد الإنسان في سكناته وحركاته وعباداته الظاهرة والباطنة خالصة لوجه الله تعالى ، بأن يعمل عمل الخير ابتغاء مرضاة الله تعالى لا يريد بها شيئاً من حطام الدنيا أو ثناء الناس ، وعرفه ابن القيم بأنه : إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة أن تقصده وحده لا شريك له . فالعمل الخالص لوجه الله تعالى سبب للثواب ، أما العمل الذي لا يريد به إلا الرياء فإنه سبب للعقاب أما العمل المشوب بثوب الرياء وحظوظ لنفس ، أي فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر ، إما من الرياء ، أو من غيره من حظوظ النفس ، كمن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب ، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال ، أو كمن خرج حاجاً يبتغي التجارة صح حجه   هنا الباعث هو التقرب إلى الله ، ولكنه انضاف إليه خاطر من الخواطر التي ذكرنا  ، مما يجعل العمل أخف عليه بسببها ، وهذا مما يخرج العمل عن حد الإخلاص   أما من ناحية استحقاق الثواب ، فقد نظر العلماء إلى قدر قوة الباعث ، فإن كان الباعث الديني مساوياً للباعث النفسي   صار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أقوى   استحق العقاب ، لكن عقابه دون عقاب من تجرد للرياء  وإن كان الباعث الديني أقوى فله الثواب بقدر الزيادة في الباعث ، والرياء : هو الذي يعمل أيُ عمل من أعمال الخير والبر من أجل أن يمدحه الناس ، فهذا الإنسان ليس له ثواب عند الله في هذا العمل ، وعليه ذنب من الكبائر  ومن يتصدق بنية التقرب إلى الله ، وإخلاص العمل له  ليس كمن يتصدق ليقال عنه: أبو الفقراء ، أو فلان معين الأرامل والمساكين فإن تصدق بهذه النية فلا ثواب له  ولو وزع جبالاً من ذهب ، بل ويخرج من العمل وعليه ذنب من الكبائر الذي هو ذنب الرياء .
إن المسلم الحق أبعد ما يكون عن الرياء ، لأن الرياء يحبط الأجر ، ويبطل العمل  ويجلب الخزي لصاحبه يوم يقوم الناس لرب العالمين ، والإخلاص لله في القول والعمل هو لب لباب هذا الدين ، وعبادة الله لا تكون مقبولة إلا إذا كانت خالصة لوجه الله الكريم لقوله تعالى : ) مخلصين له الدين ( البينة 5 . ومتى شابت العبادة شائبة من رياء أو سمعة أو حب ظهور ، بطَلَتْ ومُحِق ثوابها ، ومن هنا كانت صدقة السرّ أعظم ثوابا ، وفاعلها من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، كما أخبر الرسول : ( ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها  حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) . وقد عمل بهذا الهدي سلفنا الصالح   فهذا   علي بن الحسين كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقـول : " إن صدقة السرّ تطفىء غضب الرب عز وجل " وقد كان ناس من المدينة يعيشون ، لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتَوْنَ به في الليل . كانت بينهم وبين الله أسرار ، لو أقسم منهم على الله أحد لأبرَّه ، لإخلاصهم وصدقهم مع الله تبارك وتعالى .
 قال أبو حازم : " لا يحسن عبدٌ فيما بينه وبين ربه ، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد ، ولا يعوِّر ما بينه وبين الله   إلا أعوَّر الله ما بينه وبين العباد ، ولمصانعة وجه واحد  أيسر من مصانعة الوجوه كلها " .
وهذا داود ابن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله  كان له دكَّان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به ، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به ، فإذا جاء العشاء تعشى مع أهله ، أربعين سنة وهم لا يدرون بصيامه  وكان رحمه الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة ، ولم تعلم به زوجته .
 أي إخفاء للعمل كهذا ! ، وأي إخلاص كهذا !، وأي أسرار كانت بينهم وبين الله !. وأين بعض المسلمين اليوم ؟! الذي يحدِّث عن جميع أعماله ، ولو قام ليلة من الدهر لعلم بها الأقارب والجيران والأصدقاء ، ولو تصدَّق بصدقة أو أهدى هدية أو تبَّرع بمال أو غير ذلك لعلم الناس به    فهل هؤلاء ! أكمل إيماناً وأقوى إخلاصاً من أؤلئك السلف ، وهل كانوا يخفون أعمالهم لضعف إيمانهم ، وهؤلاء يظهرونها لكمال إيمانهم ؟ عجباً والله .  
 قال تعالى: ) فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه   قيل: وما إتقانه يا رسول الله ؟ قال: يخلصه من الرياء والبدعة ) .
 وسئل النبي كما روى الحاكم في المستدرك عن الإنسان الذي يقاتل يبتغي الأجر والذكر ما له ؟ أي يبتغي الأجر من الله والذكر من الناس أن يقولوا عنه فلانٌ بطل مقدام في الحرب ، فسألوا الرسول ما له ؟ قال: ( لا شيء له ) فاستعظم ذلك الناس ، فقالوا للرجل لعلك لم تفهم المسألة ، أعد المسألة على النبي  فرجع للرسول وسأله ثانية فقال: ( لا شي له ) لأن هذا العمل لم يكن خالصاً لوجه الله ، ولا بد من لفت الأنظار إلى أن الذي يقوم بعمل البر لأجل الثواب ولأجل محمدة الناس لا أجر له ، ومن يقول أن له نصف الأجر فإنه هذا يخالف الشريعة بدليل هذا الحديث ، فالإخلاص إذاً هو روح العمل ، فإذا فقد فلا ثواب على العمل ، وفاعله عليه ذنب من الكبائر ، وعليه معصية كبيرة ويستحق العذاب في الآخرة . وإنما تحفظ الأمة وتنصر بإخلاص رجالها روى النسائي وغيره أن رسول الله قال : ( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها  بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم )   قيل لحمدون بن أحمد ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا ؟ قال : " لأتهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن   ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق " . وقد كان عمل الخلوة أحب إلى السلف من عمل الجلوة ، فإياكم وبكاء الرياء قال النووي : " البكاء عشرة أجزاء ، تسعة لغير الله وواحد لله ، فإذا جاء الذي لله مرّة في السنة فهو كثير " . وقال سفيان الثوري : " إذا استكمل العبد الفجور ملك عينيه ، يبكي بهما متى يشاء " وفي حلقة الحسن لبصري جعل رجلٌ يبكي وارتفع صوته ، فقال الحسن : " إن الشيطان ليُبْكي هذا الآن " . وقال سفيان بن عيينة : " أصابتني ذات يومٍ رِقَّةٌ فبكيت ، فقلت في نفسي ، لو كان بعض أصحابنا لرق معي ، ثم غفوت ، فأتاني آت في منامي فرفسني وقال : يا سفيان خذ أجرك ممن أحببت أن يراك ".
وقد أمرنا الله تعالى بالإخلاص وحذرنا من الرياء قال تعالى: ) فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( أي فليعمل عمل البر والخير والطاعة مبتغياً بذلك وجه الله ، لا يريد محمدة الناس لأن ما عند الناس يزول وما عند الله باق لا يزول ، وما عند الله خير وأبقى   ولذلك كان حال السلف رضي الله عنهم هو: إذا أصلحت ما بينك وبين ربك فلا تبالي بالناس . 
  وقد يكون الرياء من الصغار للكبار ابتغاء عرض الدنيا  وقد يكون من الكبار للصغار ابتغاء تأليف الأتباع   ليزرعوا في القلوب هيبتهم ، وليجعلوا لجاههم في الأرض دعائم مكينة ، فيفعلون الخير لا لوجه الله ولا لحب الخير  بل ليلتف الناس حولهم ، فيكون ريائهم امتداداً لكبريائهم وتصحيح النية في نظر الإسلام هو معيار ما في العمل من كمال وفضيلة ، فلا يعتبر العطاء نبلاً ولا الجهاد فضلاً إلا إذا صدر عن صاحبه خالصاٍ لوجه الله ، والوعيد الذي يسوقه الإسلام للفضائل التي خالطها الرياء ، وعيدٌ يتطاير منه الشرر ، ويتفجر منه المقت ، بل إنه وعيدُ أنكى مما سبق من عقاب على كثير من الرذائل ، وهذا ما يدعو للغرابة عن أبي هريرة : ( حدثني رسول الله أن الله سبحانه إذا كان يوم القيامة ينـزل إلى العباد ليقضى بينهم ، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن ، ورجل قتل في سبيل الله ، ورجلٌ كثير المال ، فيقول الله عز وجل للقارئ  ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال : بلى يا رب قال : فماذا عملت فيما علمت ؟ قال :  كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله عز وجل له كذبت ، وتقول له الملائكة كذبت ، ويقول الله تبارك وتعالى : بل أردت أن يقال : فلان قارئ وقد قيل ذلك . ويؤتى بصاحب المال فيقول عز وجل : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال : بلى يا رب قال : فماذا عملت فيما آتيتك  قال : كنت أصل الرحم وأتصدق ، فيقول الله له كذبت وتقول له الملائكة : كذبت ويقول الله تبارك وتعالى : بل أردت أن يقال فلانٌ جواد وقد قيل ذلك ، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له في ماذا قتلت ؟ فيقول إي وربي ، أمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتى قتلت ، فيقول الله له : كذبت وتقول له الملائكة كذبت ، ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك قال أبو هريرة ثم ضرب رسول الله على ركبتي فقال : يا أبا هريرة أولئك الثلاثة   أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ) رواه الترمذي .  في هذا دليل على فساد النوايا   ودليل على أن الإخلاص هو الذي يجعل للأعمال قيمة عند الله تبارك وتعالى ، فلا إنفاق، ولا استشهاد ، ولا قراءة قرآن ، إلا بالإخلاص لله ربِّ العالمين ، والعاقل هو الذي يخلص النية لله تبارك وتعالى لأنّ الناس لا ينفعوه بشيء إذا راءى لهم ، بل هو الخاسر يوم لقيامة . وعلاج هذا كما قال أحد العلماء : نظر الأكياس في تفسير الإخلاص ، فلم يجدوا غير أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفسٌ ولا هوىً ولا دنيا  
 وأن يدعو الله : اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أريد به وجهك ، فخالط قلبي منه ما قد علمت ) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ( .












الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

نصرة المسلمين فرض


ها هي إسرائيل تهاجم الفلسطينين وتفرض عليهم حصاراً ظالماً ، وهم يستغيثون ويستنصرون ولا مجيب لهم ، ولكنهم أثبتوا أن بطن الأرض خيرٌ من ظهرها لأمة كل مواقفها وفق هوى إسرائيل ومصلحتها ، وتحولوا عن مواقع النصر في داخل أنفسهم إلى مواقع الهزيمة أمام أعدائهم ، وأمام هذا الجبن والتخاذل المريب ، اعتمد الفلسطينيون على أنفسهم في مواجهة هذه الهجمة الشرسة   التي أحرقت ومزقت ودمرت وأخرجت العديد من بيوتهم ، وقسماً كبيراً منهم وقع في الأسر   إنها حملة ظالمة خلَّفت وراءها الكثير من المآسي  من بكاء الثكالى والأرامل إلى  ما رأيناه من الأوصال المقطعة ، إلى الأطفال الذين لا يجدون ما يسد رمقهم ، والجرحى الذين لا يجدون الدواء  بل منع عنهم الإسعاف فمات الكثير منهم  ورغم ذلك ترى عجبا رغم القصف بالصواريخ والدبابات والحصار المحكم ، فإنهم يتصدون لليهود بقوة وصلابة وبطولات فائقة ، ويوقعون في صفوفه ما يؤلمه ويخزيه ، وذلك بما قدمه ويقدمه الشباب الاستشهادي من بطولات فذة  ستكون مضرب الأمثال على مدار التاريخ ، وقد كانت أم الشهيد فرحات مثالاً رائعاً وهي تودع ابنها الذي انضم إلى قافلة الشهداء الأبرار ، كان لها موقفاً عزّ أن يكون مثله في التاريخ المعاصر   أما تاريخنا القديم فقد كان لها فيه سابقة ، إنها الخنساء كما روى المؤرخون  أنها شهدت حرب القادسية تحت راية سعد بن أبي وقّاص ، وكان معها بنوها الأربعة ، فجلست إليهم وهي تحثهم على القتال والثبات ، وكان من قولها لهم :" أي بنيّ إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين . . وقد تعلمون ما اعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين ، واعلموا أن الحياة الباقية خيرٌ من الدار الفانية ، والله تعالى يقول :
 } يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون{.آل عمران 200 . فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائكم مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرّت عن ساقها فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم في دار الخلد " .
فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية وأنوف حميَّة ، إذا فتر أحدهم ذكّره أخوه وصية الأم العجوز ، فزأر كالليث وانطلق كالسهم والصاعقة ، ونزل كقضاء الله على أعداء الله وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحداً بعد واحد . وبلغ الأم نعي الأربعة في يوم واحد فلم تلطم خداً ولم تشق جيباً ، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين وصبر المؤمنين وقالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". فما الذي جعلها تقف هذا الموقف ؟ إنه الإيمان صانع المعجزات .
فماذا قدم العرب والمسلمون ، ولماذا لا تحارب   جيوشهم اليهود ، أم أنها أعدت للعرض والاستعراضات ، وقمع الاضطرابات والمظاهرات  والمحافظة على أمن الحكومات ، ولماذا يصمت المفكرون والمفكرات ، أم أن مهمتهم اقتصرت على  حقوق المرأة وحوار الأديان والتفاهم بين الحضارات ، ولماذا الأمة تائهة حيرى لا تسأل      عما يجب فعله لنصرة المجاهدين في فلسطين أم أنها لا تعلم بأن نصرتهم فرض على المسلمين قال تعالى:}والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير{الأنفال 73   فإذا لم يجانبوا المشركين ويوالوا المؤمنين  وقعت الفتنة في الناس ووقع الفساد في الأرض  بطغيان الجاهلية على الإسلام ، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ، ويصبح الناس عبيداً للعباد ، وهذا هو أفسد الفساد  الذي يتحمل المسلمون تبعته  ويتحملون نتيجة تنكرهم لما فعله الإيمان بأمة العرب   الذي حولهم من رعاة غنم إلى رعاة أمم  ومن قبائل بداوة إلى أمة حضارة ، والذي يرجع إلى الإيمان الذي صبه محمد e في نفوس أصحابه ، فنقلهم من حال إلى حال ، وفي تاريخنا الأمثلة الكثيرة على صدق ما نقول ، فهذا عمر بن الخطاب الذي رووا أنه بلغ من انحراف العقل أن عبد إلهاً من الحلوى ثم جاع يوماً فأكله ، ومن انحراف العاطفة ، أن وأد بنتاً صغيرة له كانت تمسح الغبار عن لحيته وهو يحضر لها مكانها في التراب ، عمر هذا يبلغ من سمو العاطفة ورقة قلبه وخشيته لله ، ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم وغير المسلم ، بل للإنسان والحيوان حتى قال : " لو عثرت بغله في العراق لسألني الله عنها لم تصلح لها الطريق يا عمر " .
ومثال آخر لما فعله الإيمان من الأقدام إلى التضحية بالنفس في سبيل الله ، يتمثل في إقدام البراءُ بن مالك الأنصاري ، عندما التقى جيش المسلمين بجيش مسيلمة على أرض اليمامة في نجد  ورجحت كفةُ مسيلمة وأصحابه ، وتراجع المسلمون عن مواقعهم ، واقتحم أصحاب مسيلمة خيمة خالد بن الوليد ، واقتلعوها من أصولها وكادوا يقتلون زوجته لولا أن أجارها واحد منهم ، عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الداهم   وأدركوا أنهم إن يهزموا أمام مسيلمة ، فلن تقوم للإسلام قائمةٌ بعد اليوم ، وهب خالد في جيشه فأعاد تنظيمه ، حيث ميز المهاجرين عن الأنصار  وميّز أبناء البوادي عن هؤلاء وهؤلاء وجمع أبناء كلِّ أب تحت راية واحدة منهم ، ليُعْرَفَ بلاءُ كُلِّ فريقٍ في المعركة ، وليُعُلَمَ من أين يُصابَ المسلمون ، ودارت بين الفريقين رحى معركة لم تعرف حروب المسلمين لها نظيراً من قبل  وكانت هناك بطولات خارقة ، كان من أكثرها إقداماً ما قام به البراء ، وعندما حميت المعركة واشتدت   التفت إليه خالد بن الوليد وقال له : إليهم يا فتى الأنصار فالتفت البراءُ إلى قومه وقال يا معْشر الأنصار لا يُفكِرَنَّ أحد منكم بالرجوع  إلى المدينة  فلا مدينة لكم بعد اليوم ، وإنما هو الله وحده ثم الجنة ، ثم حمل على المشركين وحملوا معه وبدأت الهزيمة على مسيلمة وأصحابه فلجأوا إلى الحديقة ، التي عرفت في التاريخ باسم حديقة الموت ، لكثرة ما قتل فيها في ذلك اليوم ، لأن مسيلمة وجيشه لجئوا إليها واغلقوا أبوابها  وحصنوا أعالي جدرانها ، وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها التي تساقطت على المسلمين تساقط المطر ، عند ذلك تقدم البراء بن مالك وقال يا قوم  ضعوني على ترس وارفعوا الترس على الرّماح ، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريباً من بابها فإما أن استشهد وإما أن أفتح لكم الباب  وفي لمح البصر جلس على ترس وكان ضئيل الجسم ورفعته عشرات الرماح ، فألقته في حديقة الموت بين الآلاف المؤلفة من جند مسيلمة فنـزل عليهم نزول الصاعقة ، وما زال يجالدهم أمام باب الحديقة ويُعْملُ في رقابهم السِّيف حتى قتل عشرة منهم وفتح الباب وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم أو ضربةٍ بسيف ، فتدفق المسلمون على حديقة الموت ، ودخلوها وقتلوا مسيلمة والكثير جداً من جنوده ، وحُمل البراء ليداوى ، وأشرف خالد بن الوليد على علاجه لمدة شهر حتى أذن الله له بالشفاء .
ومثال آخر في معركة بدر عندما دنا المشركون قال رسول الله e ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) فقال عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ فقال : نعم ! قال : بخٍ بخٍ ؟ فقال رسول الله e ما يحملك على قول بخٍ بخٍ ؟ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها   قال فإنك منهم قم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة ، قال فرمى ما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله . 
بمثل هذه المواقف الجهادية التي سار استشهاديوا فلسطين على نهجها ، وقدموا من التضحيات ما تعجز عنه الشعوب المعاصرة ، التي تعيش حياةً كلها أقفالاً معقدة وأبواباً مغلقة ، وعقولاً مقفلة أعيا فتحها الحكماء والفلاسفة ، و ضمائراً مغلقة أعيا الوعاظ والمرشدين فتحها ، وقلوباً مقفلة أعيا فتحها الحوادث ، أقفال وأقفال أخفق الكبار وفشلوا في فتحها ، لأن القفل لا يفتح بغير مفتاحه ، وقد ضّيعوا المفتاح وجربوا غيره ، فإذا هو لا يوافق الأقفال ، والمفتاح الذي نقصده هو الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ، الذي تخلى عنه المسؤولون المتخاذلون ، وسمحوا للعدو يصول ويجول ، متجاهلين نصرة إخوانهم الذين يعانون أبشع أنواع البطش والظلم والقتل . أخرج أبو داود والبيهقي والطبراني بإسناد حسن عن جابر وأبى أيوب الأنصاري قالا : قال رسول الله e : ( ما من امرئٍ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته ، إلا خذله الله في موطن يجب فيه نصرته ، وما من امرئٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يجب فيه نصرته ) . وفي هذا دليل على وجوب نصرة المسلم المحتاج إليها  والنصرة تكون بتجهيز المقاتلين ومشاركتهم في قتال الأعداء وقول الحق والدعاء لهم ، لا الوقوف وقوف المتفرج على ما يجري  ولا ندري متى يفيق المسلمون من غفلتهم ويثوبوا إلى رشدهم . وما علموا أن في قتل الإسلام  توسيعٌ لسطوة الإلحاد ، وإعانة لليهود على شعب فلسطين . اللهم أنت القادر على أن تفتح قلوبنا لذكريات أمتنا في الرجال ، وأن تأخذ بأيدينا إلى مواطن القوة والنصر ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .