الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

واجبنا تجاه أهلنا وديننا


إن ما يلاقيه المسلمون من تهديد وعنت وخوف وإرهاب ، يستلزم منا إعادة النظر في مواقفنا   لأنه ليس من الأخوة أن يعيش المسلم وحده  وينام قرير العين آمنا ، ويدع اخوه له في العقيدة يقتلون ويعانون من الخوف الذي يتهددهم ، فقد طالبنا الإسلام بمد يد العون لكل مسلم   استجابة لدواعي الأخوة الإسلامية ، التي عبر عنها رسول الله بقوله : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) .
فأين نحن من هذه العلاقة التي رسمها النبي في وصف الأخوة الإسلامية ؟ بل أين نخوة المعتصم لرد العدوان ؟ الذي يتهدد المسلمين من الأعداء الذين اجتمعوا على باطلهم وتفرقنا نحن عن حقنا   فصرنا غرضاً سهلاً يغار علينا ولا نُغير ، ونُغْزى ولا نَغْزو ، ويُعْصى الله ونرضى .
إن المؤامرة أكبر من كل جهد ، حيث اختفى صوت الحق وطغى الحقد ، واستشرت النذاله وعمت الجهالة ، واستغل البلاء النازل ، كركوب موجة الفساد ، وخلت الساحة من الصادقين المخلصين لأمتهم ، ووقفنا في صراع وجودنا يشدّنا الضياع إلى الوراء .
نواجه الواجب بالتخلّي ، والشجاعة بالنكوص   والصمود بالتواكل والتخاذل ، وبدل أن تحرّك الكارثة العزائم وتثير النخوة ، كرّست الذل حتى تسرّب اليأس إلى نفوس الناس فاعتقدوا أن الهزيمة قدراً أبدياً لا نملك دفعه ، وعاراً أزلياً لا بد من قبوله ، وقضاءً لا مناص من الرضى به . وأمام أكبر تحدٍ تواجهه الأمة ، فإما أن تصمد مستعينة بالله وإلا اندحرت وخبا نورها ، واندكت حصونها ، وهذا الواقع ليس سهلاً فإذا لم تع الأمة أبعاد المؤامرة ولم تدرك أهدافها ومراميها ، فإن ذلك يقودها إلى الدمار .
إن الأمة لا تخلو من رواد الخير وطلائع الحق   الذين لن ييأسوا من رحمة الله وهدى رسول الله ، شعارهم الجهاد لأعلاء كلمة الله في مواجهة المؤامرة التي تسعى لتدمير الأصول الحضارية ، والينابيع الروحية للعرب والمسلمين   ليسهل تحطيم كيان الأمة بعد تحطيم روحها   وعندها تتهاوى مقومات الأمة ، وتنصرف عن البناء إلى الهدم وعن الصدق إلى الكذب ، وعن التلاحم والتماسك إلى التفسخ والانحلال ، وعن مواجهة العدو ومعركة المصير ، إلى مهاترات جانبية مفتعلة تأكل طاقات الأمة ، وتجعلها عار الدنيا والآخرة . وهنا يسأل كل واحد منا نفسه   كيف المخرج والخلاص والراية في يد من استغنوا عن الصمود بالقعود وعن الجهاد بالفساد ؟ نركض في فراغ ونلهث وراء سراب حيث ضاعت الكرامة ، وخسرنا كلَّ شيء يوم خسرنا الإيمان ، وأضعنا كل شيء يوم أضعنا حافز الدين   وحين لا يكون إيمان ولا يكون دين ، لا يكون شرف ولا تكون نخوة ولا تبقى أرض ولا أحبة  تستشري المؤامرة كل صباح ، فيبني أعداؤنا ونهدم يربضون على صدورنا ويدنسون مقدساتنا   ويحتلون أرضنا ويشردون أهلنا ، فنتلقاهم بالشعارات والمهاترات والاحتجاجات والإدانات   وبدل أن نجمع قوانا ونعبئ طاقاتنا ونوحد صفوفنا ونعلن الجهاد في سبيل الله ، ونستعلي على غرض الدنيا ، ونستخف بوعيد العدو لوعيد الله   تواكلنا وتخاذلنا ، وأخلدنا إلى الأرض ، حتى فهم بعضنا أن الدين صلاة بعض ركعات وترديد بعض التسبيحات وكفى ، ناسين أن إسلامهم إسلام الأمر والنهي والجهاد ، الذي ربا النبي
(ص ) أصحابه عليه .
 يروى أن رجالاً خرجوا من الكوفة ونزلوا قريباً يتعبدون ، فبلغ ذلك عبدالله بن مسعود فأتاهم   ففرحوا بمجيئه اليهم ، فقال لهم : ما حملكم على ما صنعتم ؟ قالوا أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد . فقال عبدالله : لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو ؟ ما أنا ببارح حتى ترجعوا . إنها كلمة الحق وعنوان الوعي ، وشارة التربية النبوية ، سيماهم في كلامهم مثلما هي في وجوههم ، فمن يقاتل العدو إذا اعتزل العابدون ؟ ومن يرد كيد الكفار والصهيونية إذا بقي المصلون في مساجدهم ؟
 قيل لأعرابي أيما أحب اليك أن تلقى الله ظالماً أو مظلوماً ؟ قال ظالماً ، قيل له ويحك ولِم ؟ قال : ما عذري إذا قال لي : خلقتك سوياً قوياً لِمَ لمْ تستعد ؟  لقد عز على أمة المائة مليون أن يوجد فيها أمثال هؤلاء ، ولو وجدوا أكنا نذل لإسرائيل ؟ اكنا نأكل خزياً ونشرب هواناً ؟ ونتزاحم على موائد الأعداء ونستجدي عطف الشرق أو الغرب ؟ إن الناس ينجذبون للقوى ويستخفون بالضعيف ، فلم لا نكون أقوياء أمام الكوارث التي تحل ببلادنا ، والتي تضعنا امام تحد مخيف وعندئذٍ نخسر معركتنا إن تنكرنا لعقدتنا   وتآمرنا على ديننا أو ننتصر برفع شعار الجهاد .
لا اتصور أمة تتآمر مع عدوها على نفسها ، ولا أعرف كيف تنطوي النخوة وتنـزوي المروءة ويطير الأمل ، ألا نستحي عندما نتذكر أننا أمة المائة مليون التي تذل أمام عدوها وقد فقدت القدرة على مواجهة مسؤولياتها ، أمة بهذا العدد وعلى هذا الحال صدق في وصفها رسول الله في الحديث الشريف : ( الكثرة غير العاقلة كغثاء السييل لا هو نبات تغذوه الأرض الغنية   ولا هو حطب يستوقده الناس ناراً ، بل هو أشياء ضائعة تأخذها التيارات من كل أقطارها   ثم تقذف بها إلى جوف العدم في مياه المحيط )
إن المسلمين لو فهموا معنى الإيمان ، لعلموا أن قتال المسلم للمسلم والإعانة على قتله كفر والسماح بالإعتداء على المسلمين خيانة ، وإن القيام بواجب الجهاد جزءاً من ديننا وإيماننا وغرض وجودنا ، وإن لم نفعل ذهبت ريحنا وانتهت امتنا وعقيدتنا إلى زوال .
فهل من مصلحة الأمة أن تعزل عن مركز القيادة والريادة في العالم  ؟ لا والله ! ولكن إذا ما أجلْت النظر في العالم الإسلامي كله ، ونظرت الى شعوبه وأممه ودوله ، وفي جميع طبقات المسلمين   هل ترى شيئاً تستدل به على أن هذه الأمة المنبثة في أرجاء الأرض صاحبة رسالة في العالم وصاحبة دين وعقيدة  ؟ تعمل بمبادءها وتسير على نهجها ،  وتريد أن ترفع للإسلام راية ؟ لا بالطبع ! لأنك ترى أمة هادئة مطمئنة راضية بكل ما يقع في العالم اليوم ، سليمة الصدر ، قريرة العين ، ناعمة البال ، تتعاون وتتحالف مع الكفر وأممه ، وتقدم كل معونة تقدر عليها .
 لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ  إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان

أجل لو كان إسلامٌ وإيمان لما ارتضى المسلم بهذا  لأن المسلم يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله ، وهو ما ذكره القرآن شرطاً في قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة  وقد كفروا بما جاءكم من الحق } .  

واجب الآباء تجاه الأبناء

                                            
 إن الأبناء بحاجة إلى تربية وتوجيه ، على أساس الإيمان بالله ، والتمسك بتعاليم الدين وقيمه  وذلك لا  يتحقق بكثرة الكلام ، ولا بشدَّة التحذير والإنذار ، إنما بالقدوة الصالحة المؤمنة  التي تقرن القول بالعمل ، لأن الناشئ يقلد الكبار ببراعة وإتقان . وأنشدوا :
 وينشئ ناشئ الفتيان فينا      على ما كان عوده أبوه
وذكر ابن القيم في تحفة الودود بهذا الصدد فقال:  "من أهمل تعليم ولده ما ينفعه ، وتركه سُدى فقد أساء إليه غاية الإساءة ، وأكثر الأولاد ، إنما جاء فسادهم من قبل الآباء ، وإهمالهم لهم ، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه ، فأضاعوهم صغارا  فلم ينتفعوا هم بأنفسهم ، ولم ينفعوا آبائهم كبارا " . 
إن محاسبة الأبوين للأولاد على تصرفاتهم الخاطئة  ضروري للغاية ، وعليهم أن يحاسبا أولادهم على تصرفاتهم الشاذة ، أو السهر خارج البيت إلى وقت متأخر من الليل ، في أماكن مشبوهة أو مع رفاق السوء . وعليهم وضع الأمور في نصابها  وإلا يعتبران مقصران في صميم واجباتهما .
إن التربية السليمة ، تؤدي إلى يناء مجتمع قوي سليم معافى ، مما جعلها بالنسبة لنا قضية حياة أو ممات في وقتٍ شاع فيه الفساد والانحلال الخلفي والترف .
أما أن يكون الأبوان بواد ، وتعاليم الدين بواد  ومسؤولية توجيه الأبناء في واد آخر ، بحيث لا يؤدون واجباتهم كما ينبغي ، في التربية والتوجيه  فإن ذلك يتنافى مع تعاليم ديننا . وصدق رسول الله بقوله : (من خاف على عقبه وعقب عقبه فليتق الله) .
إن الآباء الذين يريدون أن يفرضوا سيطرتهم على أولادهم ، بعد أن شبوا عن الطوق ، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تربيتهم تربية صالحة   فأخفقوا منذ طفولتهم ، في فرض سيطرتهم عليهم كل الإخفاق ، كما نسمع ونشاهد هذه الأيام  حتى أصبحت السيطرة بيد الأولاد على الأبوين  لا بيد الأبوين على الأولاد ، مما أدى إلى تصدع بناء الأسرة ، وحلول الكوارث الأخلاقية  وإرخاء العنان طوعاً أو كرها .
إن ولد اليوم هو رجل المستقبل ، فيجب أن يكون الهدف من تربيته ، بناء المثل العليا في نفسه حتى يتسنى له عند ما يحين الوقت المناسب ، أن يؤثر في الآخرين إلى ما فيه الخير .
وإن غرس المثل العليا في الطفل ، يجب أن يتم في البيت ، وإن التربية الأساسية ، يجب أن تبدأ هناك    وما نسميه اليوم من انحرافات الأحداث ، سببه إهمال الأبوين تربية الطفل ، الذي يجب أن يربى تربية ، تجعله يميز بين الخطأ والصواب ، ويتجلى ذلك بالصدق والاستقامة وحب الخير ، وطاعة الوالدين والاستماع لتوجيهاتهما ، والإحسان لهما والبر بهما تقديراً لجهودهما .
ومن هنا جعل الله الإساءة إليهما من أكبر الكبائر  فقال رسول الله : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) . وقال ( كلُّ الذنوب يؤخِّر الله ما شاء منها ، إلا عقوق الوالدين فإن الله يُعَجِّل لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات ) إن تربية الأولاد الدينية والخلقية ، تعتمد على العقيدة السليمة ، وقد ضرب القرآن لذلك مثلا فقال تعالى في وصية لقمان : { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }.
ثم الأمر والتدريب على العبادات , والأخلاق الفاضلة , والأعمال الصالحة ، ليشب عليها الأولاد فلا تشق عليهم إذا كبروا . قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها }. وقال عليه السلام (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر  وفرقوا بينهم في المضاجع ) .
كما نبه الإسلام إلى مراعاة الأولاد في سن المراهقة . فقال عليه السلام ( إلزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم ) رواه ابن ماجة . وقد يضيق صدر بعض الآباء من سلوك أبناءهم المراهقين ، فينهالون عليهم باللوم والتسفيه والتجريح ، أو العقاب البدني ، الذي ينهى عنه الدين ، ويأمر الآباء أن يتقوا الله في أفلاذ أكبادهم ، وأن يقوموا على تربيتهم بحسن الأدب والخلق الطيب ، والوقوف إلى جانبهم في هذه الفترة الحرجة ، ليأخذوا بأيديهم ، حتى يعبروها بسلام .
قال بعض الحكماء :" لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً ، وصاحبه سبعاً ، ثم اترك حبله على غاربه"   ذلك تأكيداً لمصاحبه الأب لابنه   وتأكيداً لمعنى حديث رسول الله إلزموا أولادكم .
 ومن واجب الآباء العدل بين الأولاد ، لحديث النعمان بن بشير قال : أعطاني أبي عطية ولم ترض أمي حتى تُشهد عليها رسول الله . فانطلق أبي إلى رسول الله وقال له : إني نحلت ابني هذا غلاما ، فقال له رسول الله ( أكلهم له مثل هذا ؟ قال : لا فقال رسول الله : فلا تشهدني إذن ، فإني لا أشهد على جور ، يا بشير أتحب أن يكون لك في البر سواء ؟ قال : نعم قال : إذن فاذهب فارجعه ، إن لبنيك عليك من الحق ، أن تعدل بينهم ، كما أن لك من الحق عليهم ، أن يبروك ، ثم قال : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) أخرجه البخاري وصححه  .
وقد يوسوس الشيطان للآباء ، بأنهم أحرار في مالهم ، وأن من حقهم أن يميِّزوا هذا عن ذاك من الأولاد ، وما دروا أن الله وضع لهذه الحرية حدودا ، ومن تعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه .
إن التفرقة بين الأولاد ، هي مبدأ الفرقة والشقاق والعداوة بينهم ، وقد تمتد إلى ذرياتهم حتى أننا نلاحظ أن التفرقة حتى بالكلمة ، تزرع الحقد بين الأخوة ، فماذا يكون الحال حين تكون التفرقة بالمال . إن كثيراً من الأسر تتهدم ، ويتحول الأخوة الأحباء إلى أعداء ألداء ، فلو فكر الآباء فيما ينتظرون من عذاب الله نتيجة جورهم  وظلمهم لبعض أولادهم ، لما اشتروا عذاب الله ببعض مال يتمتع به ولد من الأولاد في دنياه  بينما يتلظى الأب بعد موته في جهنم . عن أبي هريرة قال: ( قال رسول الله :أعينوا أولادكم على البر بالإحسان إليهم ، وعدم التضييق عليهم والتسوية بينهم في العطية ، من شاء استخرج العقوق من ولده ) رواه الطبراني في الأوسط .
ومن أخطر أنواع التفرقة بين الذكور والإناث من الأولاد ، ما نراه من الجهلة من الآباء ، الذين يحرمون بناتهم حقهنَّ في الميراث ، ويفرقون في المعاملة بين الذكور والإناث ، وهذا ضلال مبين وعلى الآباء تعويد الأبناء ارتياد المساجد ، فهي دور العبادة ، يتعلم فيها المرء قواعد العقائد وفرائض العبادات ، ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الآداب ، وطريق المعاملات . ففي الحديث القدسي ( إن بيوتي في أرضي المساجد ، وإن زواري فيها هم عُمّارها ، فطوبى لمن تطهر في بيته ، ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره ) .
وعلى الآباء أن يكونوا خير قدوة للأبناء ، وعند ما نشكوا من مظاهر الانحراف ، نلوم الأبناء بالزجر والوعيد ، وهيهات أن يجدي ذلك ، إذا افتقد الأبناء القدوة الصالحة ، في الآباء والموجهين  وعلى الآباء أن يُعَلِّموا أولادهم حسن اختيار الأصدقاء . قال عليه السلام ( المرء على دينه خليلة فلينظر أحدكم من يخالل ) .
إن التهاون في اختيار الأصدقاء ، ومخالطة السفهاء وأصحاب الريب ، والمفرطين في حق الله الذين لا يؤدون ما فرضه الله عليهم من عبادات ، ولا يهمهم الخوض في إعراض الناس ، واكل الأموال بالباطل مما يؤدي إلى انحراف الأبناء ، حيث يسير على منهجهم وطريقهم ، ويكتسب صفاتهم .
 من أجل ذلك حذرنا الله من هؤلاء وامثالهم فقال تعالى :{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}هود 113 .
وعلى الآباء أن ينهوا أبنائهم عن التقليد الأعمى  سواء على مستوى الأفراد أو الدول في كثير من مظاهر الحياة ، والعادات والتقاليد ، بدعوى التحضر والمدنية ، ناسين أن ذلك تبعية بغيضة ذمها الإسلام وسخر منها ، حتى أن الله شبه هؤلاء المقلدين بالحيوانات ، التي لا إرادة لها ولا إدراك .  قال تعالى :{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون . ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعقُ بما لا يسمع إلا دُعآءً وندآءً  صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون }البقرة 171 .  أما التقليد فيما برعوا من علوم وصناعة ، فهذا مأمورٌ به ، لما فيه صالح الأمة ، والرسول يوجهنا إلى أخذ العلم أينما وجد حيث يقول (الحكمة ضالة المؤمن ، أنى وجدها فهو أحق بها)  فاتقوا الله في أولادكم وأنفسكم ، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .       






 

                                                                      

هل القمة تمثل الموقف الإسلامي


إن المتتبع للأحداث الجارية في العالم يجد أن الأمة مفتقرة لوحدة الكلمة والرأي ، فضلاً عن وحدة الهدف والوسيلة ، فقد تعددت الآراء والمواقف حول جدوى مؤتمر القمة ، فتحول بعضها إلى علامات استفهام أو التعجب الذي تحوَّل إلى علامات استهجان وترقب للإجابة عن السؤال الكبير ، الذي يدور في خلد كل مسلم مخلص  من يمثل الموقف الإسلامي الصحيح ؟ وقد يتكرر هذا السؤال بلسان المقال ، وأحياناً بلسان الحال  ثم لا يلبث المتسائل أن يُخْلِد إلى التناوم أو التناسي ، هرباً من ضغوط الاحباطات والصدمات من جراء التعارض والتناقض ، بين ما يسمع وما يرى .
 هناك من يتكلم بلغة التنديد ومن يتكلم بلغة التأييد ، فاحتج المنددون بأن الاستجابة للضغوطات إهانة وخيانة للأمة ، وتضحية بمبادئها التي تحرِّم وتجرِّم مسايرة الدول القوية والاستجابة لمطالبها الظالمة ، بينما تطلع الفريق الثاني إلى إخراج الأمة من الوقوع في محنة الاحتلال ، وقالوا بجواز الاعتراف بدولة اليهود والتطبيع مع عصابتهم ، وعقد الصلح الدائم معهم والاعتراف بهم ، ناسين أنهم لا يمثلون في هذه القضية الموقف الإسلامي الصحيح ، وقد أبرزت الأحداث في فلسطين غياب الموقف المساند للحق كما يريد الحق سبحانه ، علماً بأن رسول الله e أخبر بأنهم موجودون لم يخل منهم زمان فقال: e ( سألت ربي ألا يجمع أمتي على ضلاله فأعطانيها ) .رواه احمد في مسنده
فلماذا يجمع زعماء الأمة على الضلالة ؟ بل وأين اجتماعهم على الحق ؟ ونحن نعاني من ظلم اليهود وبطشهم ، وإن شدَّة المعاناة والضعف وثقل الهزيمة وخور العزائم وغلبة اليأس ، كثيراً ما يبعث في النفوس التعلل بالأماني الكاذبة ، والهروب من الواقع المؤلم إلى أطياف الأحلام ، لعلنا نجد السلوى من الآلام والهزائم ، وما هي في الواقع إلا أضغاث أحلام أو سراباً من الأوهام } يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا { وقد اثبت واقعنا الذي نعيش أن الذي يعيش في عالم الأحلام الموهوم ، جدير به أن يقول ما لا يفعل   وأن يفعل ما لا يرضى عنه عقل ولا دين ، وهنا يكمن الخطر الذي يوجب على الأمة أن تستيقظ وترفض المساومة على حقوق الأمة المشروعة .
 في الوقت الذي قرر حكام العرب اجتماع القمة  وهو لقاء خطير وهام وعظيم ، لأن أي قرار يتخذه لا يدعو إلى إعلان الجهاد ، والتمسك بالدين عقيدة وشريعة لا فائدة منه ، لأنه لا نصر ولا توفيق بدون العودة إلى الله والتمسك بمبادئ الدين ، هذا بالإضافة إلى أن يصدق العمل القرارات التي تتخذ ، لأن علامة الصدق في القول أن يتبعه العمل ، ونحن بحاجة ماسة إلى أن يفي الحكام بالواجب الذي رسمه الله لعباده في شريعته التي جاء بها رسول الله e ، والمسؤولية في هذا الاتجاه كبيرة وحاسمة ، وهم يعلمون ذلك ولا ينقصهم إلا التطبيق العملي .
فما أحوجهم لأن يتماسكوا ويسيروا على طريق الحق ، طريق القوة والمنعة طريق الإسلام  الذي دعا الله إلى التمسك به ديناً ومنهج حياة ، وإنا لنرجوا الله أن يعودوا إلى شريعة الله  ويعملوا على تطبيقها في كل شؤون الحياة ، فكم هو جميل اللقاء الأخوي ، ولكن الأجمل منه اتخاذ القرارات الحازمة التي تتبعها الأعمال الجادة ، بعيداً عن  الوقوف عند الوعود والأقوال ، واتخاذ قرارات تعمل على رفع العار والذل ، الذي تعاني منه الشعوب التي تتطلع بشوق ولهفة إلى اتخاذ القرارات التي تحقق للأمة النصر .
لقد سئمت الأمة الكلام والخطب ، وهي تنادي كل ذي قلب يعي أن لا حاجة الآن لأقوال مجردة عن الأفعال لأن الأمة بحاجة إلى أعمال إيجابية  تلبية لنداء الله:} وقل اعملوا فسيرى الله عملكم (
ففي كل اجتماع أو مؤتمر يعقد ، يذاع البيان الختامي الذي يطمئن على أن اللقاءات كانت مثمرة للغاية وهادفة وناجحة ، تساعد على وحدة الصف والهدف ، ولكن الشعوب في كل مرة يسمعون كلاماً ووعوداً ، لا يلمسون لها حقيقة في واقع التطبيق العملي . وفي هذه القمة لم تتخذ القرارات الداعمة للمقاومة .
 لقد نسي الذين اجتمعوا أو تناسوا وجوب الالتزام بكتاب الله وسنة رسول الله شريعةً ومنهج حياة ، الذي خلا منه البيان الختامي ، كما هو الحال في كل قمة عقدت من قبل  وخلا من المطالبة بوجوب إلزام إسرائيل بالكف عن ممارسات القتل والقمع لشعب فلسطين  والتزامها بالقرارات الدولية وإلا فالحرب والمقاطعة  ولأن البيان خلا من قرارٍ كهذا فقد كانت رسالة إسرائيل للمؤتمر دخول دباباتها وعرباتها المصفحة إلى مدن الضفة .   
هذه المواقف تذكرني بقصة أبي جعفر المنصور  حين وقف يوماً خطيباً في جماعة من الأعراب فقال : " أيها الناس احمدوا الله على أن وهبني لكم ، فإنني منذ وليت أموركم أبعد الله عنكم الطاعون ، فقال له أحد الحاضرين " إن الله اكرم من أن يجمع علينا الطاعون والمنصور ". وبقصة ذلك الوالي الذي وقف يخطب الناس فأرْتِجَ عليه فمكث ساعة ثم قال : والله لا أجمع عليكم عيّاً ولؤماً ، من أخذ شاةً من السوق فهي له وثمنها علي " . ما أكثر ما يجمع على الأمة الإسلامية هذه الأيام ، من عيّ ولؤم وفساد وإلحاد وعمالة وخيانة ، والمخفي أعظم والله المستعان .
فقد صدرت القرارات وجاء الإعلان بنجاح القمة   إلا أن الحقيقة ظلت تائهة ضائعة  ولو وجد من يقول للمجتمعين عودوا إلى دينكم ، وضمنوا بيانكم الختامي ضرورة الالتزام بالإسلام نظاماً ومنهج حياة ، والعودة إلى الجهاد لحماية الأهل واسترداد ما فقد من الأرض ، أقول لو وجد من يقول ذلك ، لأداروا له ظهورهم وقلبوا له شفاههم  وجعلوه سخرية الاجتماع ، وأخذوه مأخذ الهزل واستخفوا بما قال ، علماً بأننا إن لم نتخذ منهج ربنا دستوراً لحل قضايانا ، فإن معالجة ما تعاني منه الأمة داخلياً وخارجياً هو حلم حالم .   
 إن من بين العرب والمسلمين من يؤيدون السياسة الإسرائيلية . وهم كثرٌ لا أستطيع حصرهم  وبالمناسبة تذكرت قصة الرجل الذي حلف بالطلاق أن الحجاج في النار فأتى ابن شيرمه يستفتيه فقال : يا ابن أخي امضي فكن مع أهلك  فإن الحجاج إن لم يكن من أهل النار فلا يضرّك أن تزني  .
كيف نأمل الخير في الاجتماعات واتخاذ القرارات  وقد تخلينا عن قرآننا ، فأصبحنا أضحوكة الأمم ومهزلة التاريخ ، فلا نعيش إلا تابعين ولا نحيا إلا موجهين ، تُرسم لنا الطريق ونبحث عن سند وصديق ، متناسيين أن الأقوياء لا صداقة عندهم  لأن همهم مصلحتهم وما يحقق مجد أمتهم .
إننا نعيش حياة الذل بدل مجد ضيعناه ، ونهوى الهزيمة بدل النصر الذي فقدناه يتفاوض على قضايانا الأقوياء ، حتى غدونا سلعاً تباع في الأسواق ، أسواق السياسة الدولية .
إن عزتنا وقوتنا لن تكون إلا بالإسلام ، لأنه عماد صمودنا وباعث مقاومتنا ، ومكون حضارتنا وحافز تقدمنا ، وذخيرتنا التي لا تنفذ مع الأيام ، إننا بالإسلام نتحرر من اليأس ولاستسلام ، لأنه يولِّد فينا الثقة بالنصر والتصميم على الجهاد ، ويدفعنا إلى الأخذ بما يحقق النصر وأسبابه ، ويرتفع بنا إلى ذروة التضحية .
لقد عايش المسلمون قديماً أوضاعاً تشبه الأوضاع العالمية هذه الأيام ، كان الروم يومئذٍ يمثلون الدولة الأولى في العالم ، صحيح أن الفرس نازعوهم السيادة ، غير أن حرباً نشبت بين القوتين العظميين انتهت بانهزام الفرس انهزاماً ساحقا ، فانفرد الرومان بالسطوة في أرجاء العالم كله ، تماماً كأمريكا هذه الأيام ، وقد قام الرومان بمطاردة الدعاة الإسلاميين ومنعهم من نشر الدعوة .
وعندما قرَّر النبي e محاربة الروم والتصدي لعدوانهم ، فزع الكثيرون وتثاقلوا عن الخروج   وقال بعضهم لبعض : أنى لنا مقاومة هذه الدولة العظمى ؟ فنـزل الوحي يقطع دابر الضعف  ويستأصل روح الهزيمة ، ويطلب إلى المؤمنين أن يسارعوا إلى النفير ، وان يسيروا إلى الروم حيث كانوا دون أي تهيب . وذكَّر المتثاقلين عن الجهاد بأن النصر من عند الله وحده ، لا تمنعه قلة عدد أو عدة ، فماذا كانت النتيجة ؟ إن الله لم يخذل من تعلق به واستند إليه ، وها هو ذا رسول الله e يرفع  راية الحق . فكانت غزوة تبوك  وبعد سنين كانت معركة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون على دولة الروم ، أعتى دول الأرض وأوسعها سلطانا في ذلك الوقت ، والتي كانت  تريد الطغيان بباطلها وجبروتها .
إننا في هذه الأيام من المفرِّطين ، والله لا ينصر المفرِّطين ، تماماً إذا تكاسل الواحد منا عن أداء ما عليه وهو قادر ، فكيف يرجو من الله أن يساعده وهو لم يساعد نفسه ؟
وإن ما يجري في فلسطين درس من دروس الجهاد الحية ، يُساق إلى المتواكلين  الذين ينتظرون من الله أن يُقدِّم لهم كل شيء ، وهم لم يقدِّموا شيئا  في الوقت الذي يهبُّ فيه الأعداء لاجتياح الإسلام وبلاده ، والإتيان عليه من القواعد ، فهل نرفع راية الجهاد للعمل على  ما يخزي أعداء الله ويرد كيدهم في نحورهم ، وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا ، في الوقت الذي يترنح فيه الوضع الدولي في هذه الفترة  والدواء عندنا وحدنا  فهل ننقذ أنفسنا وننقذ العالمين ؟ .     
 


   

هل الضرورة تبيح التعامل بالربا


يتوسع الكثيرون في الحرام محتجين بأن الذي دفعهم لهذا هو الضرورة ، وإذا ما سألت عن هذه الضرورة وخصوصاً بما يتعلّق بالربا ، قد يقول بأنه محتاج لسياره أو شقة يسكنها أو قرضٌ يتزوج به ، إن من يقول ذلك واهم يتحمّل إثم كبيرة من الكبائر ، سواء كان ذلك عمداً أو جهلاً أو تجاهلاً ، لأن هذه المحرمات من المعلوم من الدين بالضرورة ، وليست كل ضرورة تدخل في باب الاضطرار ، ولا يجوز أن نستبيح القروض الربوية لشراء منـزل أو سيارة عملاً بقاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " وإن دعوى الاضطرار للعمل أو التعامل بالربا غير صحيح   لأن النص في الإباحة للاضطرار ورد في آيات كلها تبيح أكل ما حرّم الله من المنصوص عليها للاضطرار الذي يخشى منه لو لم يُبح الأكل مما حرّمه الله أن يموت الإنسان جوعاً أو يهلك عطشاً قال تعالى : ) إنما حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنـزيرِ وما أهل به لغير الله ، فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم ( البقرة 173. وقال تعالى : ) فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم فإن الله غفورٌ رحيم ( المائدة 3 . في هذه الآيات دليل على أنه ما أبيحت هذه المطعومات إلا عند الاضطرار في المجاعة المهلكة ، لكي يحفظ الإنسان حياته وهذه الضرورة غير قائمة في التعامل الربوي   وإن أي محاولة يراد بها إباحة ما حرّم الله ، إنما هي جرأة على الله وقولٌ عليه بغير علم ، وضعف في الدين . قال القرطبي في معنى الضرورة المبيحة لأكل الميتة ولحم الخنـزير والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية ، هو من صيّره العدم والجوع إلى ذلك وهو الصحيح . وفي حديث أبي واقد الليثي قال يا رسول الله ؟ إنا نكون في الأرض تصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ فقال r ( متى لم تصطبحوا أو تفتبقوا أو تجدوا بقلا ) والفبوق العشاء والفِِبوق بقلة تأكلونها .
لقد علّق الشيخ محمد أبو زهرة على الحديث بأن النبي r لم يعتبر حد الضرورة إلا في هذا وقال : إن الضرورة لا يتصور أن تكون في نظامٍ ربوي بل تكون في أعمال الآحاد . إذ أن معناها أن النظام كله يحتاج إلى ربا كحاجة الجائع الذي يكون في مخمصة إلى أكل الميتة أو لحم الخنـزير أو شرب الخمر ، وإن مثل هذه الضرورة لا تتصور في نظام كهذا ، على أنه يجب أن نقرر هنا أن كل الربا حرامٌ لذاته ، لا يحل إلا لضرورة تكون على الحد الذي بيناه نقلاً عن النبي r .
قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى : ) فمن اضطر ( يعني إلى شيءٍ مما حرّم الله ، وقوله تعالى : ) غير باغٍ ولا عاد ( يقول : من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج ، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى . وقد تقرر فقهاً أن الضرورة تقدّر بقدرها ، وقدرها في المأكل والمشرب لسد الحاجة ، وإذا زال سبب الضرورة حرم التـزود وتكرار الفعل حتى قال الفقهاء : إن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق ولا يباح له الشبع ، ومن يستطيع دفع أجرة مسكن لا يحل له أخذ قرض لشراء مسكن . 
هذه هي الضرورة إشراف على الهلكة ، وجوعٌ يؤدي إلى إزهاق الرّوح ، وليست كل ضرورة تدخل في باب الاضطرار ، ولو كان المجتمع يدفع إليها لأنه يمكن الاستغناء عنها كشراء بيت و سيارة أو أي شيءٍ من الكماليات ، فالشريعة لا تسمح بأخذ الربا في هذه الحالة ، ومن يقول إن اللجوء إلى الربا ضرورة من الضرورات لأن صلاح الأمة من الناحية الاقتصادية قائم على التعامل الربوي هذه الأيام ، وإلا توقف حال الأمة ، إن هذه مغالطة وضعف أمام النظم التي يسير عليها أقوياء العالم ، وإن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرًم الله أو تبـرير ارتكابه بأي أنواع من أنواع التبـرير ، إنما هي جرأةٌ على الله  وقولٌ عليه بغير علم ، وضعفٌ في الدين وتزلزلٌ في اليقين ، وإن القول بأن الربا ضرورةٌ عامة للأمة والمجتمع ، اتهامٌ لشريعة الله بالنقص ، هذه الشريعة التي شهد الله لها بالكمال ومن كمالها تحريم الربا قال تعالى : ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( المائدة 3 .  
وأما من يعتمد على حل القرض باسم المرابحة وهو أحد أنواع بيوع الأمانة في الفقه الإسلامي   وهو مشروع جرى التعامل به في زمن الرسول الله e , وبيع المرابحة هذا يكون بين مبايعين لا بين ثلاثة ، والسلعة في ملك البائع وهو بيعٌ بمثل الثمن الأول مع ربح مبلغ معلوم يصّرح به البائع على وجه الأمانة .
أما كيفية الشراء عن طريق البنك فتتم بطلب العميل من البنك شراء سلعة ليست عنده مع وعد من العميل شراء السلعة بعد شراء البنك لها بثمن آخر ، ووعد البنك بيع السلعة له بعد شرائها   فبيع المرابحة بهذه الطريقة كما يتعامل المصرف يكون الثمن الذي يدفعه العميل مؤجلاً بينما الأصل في بيع المرابحة أن يدفع ثمن السلعة عند العقد ، أما ما يجري التعامل به فإن البيع يتم فيه إبرام عقدين أي بيعتين بين المصرف والبائع للسلعة وعقد بين المصرف والآخر بالشراء ، وهذا غير جائز حسب قناعتي ، لأن المرابحة تتم بإجراء عقد واحد ، ولما روى الترمذي قال حكيم يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أأبتاع له من السوق ثم أبيعه ؟  ولم يقل أبيعه ثم أشتريه  فقال له الرسول الله e : لا تبع ما ليس عندك   معنى قول رسول الله e لا تعدْه بالبيع ثم تذهب لتشتريه ، لأن ذلك يعتبر بيعاً ، فيكون بيع ما لا تملك ، وقد نهى رسول الله e صراحة عن بيعتين في بيعه .
قال الإمام مالك رحمه الله في باب النهى عن بيعتين في بيعه : أنه قد بلغه أن رسول الله e نهى عن بيعتين في بيعه ، وأنه بلغه أن رجلاً قال لرجل : ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه 
كما إن ما يجري التعامل به على هذه الصورة يعتبر كبيع العينة وهي كما فسرها كثير من العلماء ، بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها ، وقد ورد النهى عنها عن ابن عمر سمعت النبي r يقول : ( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد   واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلاً لا ينـزعه حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم ) أعلام الموقعين  .
وإذا كانت الزيادة في ثمن السلعة قائمة على أساس سعر الفائدة كما يجري التعامل به ، إذ يتمثل عائد التمويل في صورة هامش مرابحة محدد مسبقاً ، على حسب المدة الزمنية التي يتم بها سداد الدين ، فهذا حرام كما قال به كثير من العلماء ، يقول سيد قطب في الظلال لمن يريدون أن يحصروا الربا في بعض صوره : " إن الإسلام ليس نظام شكليات ، وإنما هو نظامٌ يقوم على تصوّرٍ أصيل ، فهو حين حرّم الربا لم يحرِّم صورةً منه ، إنما كان يناهض تصوراً يخالف تصوره   ويحارب عقليةً لا تتمشى مع عقليته ، وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل ابعاداً لشبح العقلية الربوية والمشاعر الربوية من بعيدٍ جدا ، وإن كل عملية ربوية حرام ، سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية ، أم استُحدِثت لها أشكالٌ جديدة ، ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية ، أو تتسم بسمة العقلية الربوية ، وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمغامرة " .       


هذه هي مواقفهم من الإسلام فما هو موقفنا منها ولماذا هذه الحرب


إن الصراع بين الحق والباطل حقيقة معروفة عبر التاريخ ، يجسدها المتتبع للمواجهة بين المؤمنين وأعدائهم الكافرين ، الذين يقفون بكل تبجح أمام الحق وأهله ، فدول الكفر بما تملك من أسلحة متطورة ، تقف بكل صلف ضد أي توجه إسلامي يقوم في أي بلد مسلم مثيرة الشبهات ضده ، والإساءات المتوالية لكل منتم إليه  بدعاوى الرجعية والتطرف والإرهاب ، لهدم ذلك التوجه والتخويف منه بالكذب والتزوير .
وقد جاء في القرآن الوصف الدقيق لأمثال هؤلاء فقال تعالى :}وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون{.البقرة 11
فهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع ، بل يضيفون إلى ذلك السفه والإدعاء ، وما أكثر الذين يفسدون أشنع الفساد ، ويظلمون ويبطشون ويّدعون انهم مصلحون وخاصة في أيامنا هذه ، لأن الموازين مختلفة معتلة في أيديهم  فقد وصلوا إلى درجة من الاستعباد والظلم تعذّر عليهم أن يشعروا بفساد أعمالهم ، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع أهوائهم الذاتية ، ولا يستند إلى أسس شرعية مقنعة . 
والمراقب المنصف للأحداث ، يرى أن الإسلام هو بداية الغيظ والرعب لأعداء هذا الدين وخصوم المنتمين له ، وهذا ما يؤذيهم ويخيفهم لأنه من القوة بحيث يخشاه كل مبطل ويرهب كل باغ  ويكرهه كل مفسد لما فيه من حق ومنهج قويم  فهو مضاد للباطل والبغي والفساد ، لهذا لا يطيقه المبطلون والبغاة والمفسدون ، لذا يرصدون أهله ليفتنوهم عنه ، إن صورة هذا العداء السافر ، لم تتبين بشكل واضح كاليوم ، في الحرب الشعواء التي تشن على أهل الإسلام , مما يدل على أن موقفهم من الإسلام موقف حياة أو موت   وخوفهم هذا من عودة الإسلام ، يرجع إلى خوفهم على أنفسهم لكثرة ما طغوا وبغوا  وأفسدوا في البلاد ، فكم أذلوا و استباحوا ؟ وكم أساءوا وما يزالوا بدعوى المحافظة على الأمن والأمان ؟ إن الهجمة على الإسلاميين تعتبر هجمةً على كل المسلمين ، لأن الاعتداء على أي  مسلم هو اعتداء على كل المسلمين ، لأن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم .
والإسلاميون هم بعد الله عز وجل الأمل الباقي لهذه الأمة ، بالرغم من كل هوانهم واستضعافهم وتفرق كلمتهم ، فإن الأمل بالله معقود على توحد كلمتهم ، وتبدل ضعفهم وذهاب هوانهم . بعد أن سقطت كل الأقنعة والوعود الكاذبة التي أفسدت على الناس دينهم ودنياهم ، وهتكوا كرامة خير الأمم أمام إذلال أذل الأمم  وقد برهنت الأحداث على أن فئةً كبيرةً من المسلمين  دون مستوى المسؤولية ودون مستوى الكلمة حتى انهم لم يثلجوا صدر الأمة بموقف سياسي أو عسكري أو اقتصادي فاعل لنصرة الحق وأهله  بعد أن اتضح لنا أن أعدائنا يحاربونا بالدين وللدين  ويُحارب الدين وأصحابه في أكثر بلاد المسلمين ، وقد بدا ذلك واضحاً بعد أن ألقى الكفار في وجوه المسلمين قناع السلام والوئام  وأظهروا ملامح التحرش وأنياب النهش والانتقام  بتحد سافر لكل الأعراف والقوانين ، الأمر الذي يدعو المسلمين إلى إعداد العدة من وجهيها المادي والمعنوي ليتحقق لهم النصر بإذن الله ، ولا يظن أحد من المسلمين ، أن تزول هذه التحديات بمجرد الاقتصار على الصلوات ورفع اليد بالدعوات ، لأن حكمة الله تأبى أن تتعطل سنةُ الأسباب لمجرد أن المسلمين مسلمون والكافرين كافرون قال تعالى : }ولو يشاءُ اللهُ لانتصر منهم  ولكن ليبلو بعضَكُم  ببعض{.محمد4
وقد خلق الله الأسباب والمسببات ، ويشترط علينا لكي يسخِّر لنا الأسباب أن نُسخِّر له أنفسنا  ونعِّدها له متبعين لرضوانه مبتعدين عن كل ما لا يليق بأولياء يطلبون نصره وضعفاء يستنـزلون تأييده  وعندها فلا علينا لو تداعت أمم الكفر لمحاربتنا قال تعالى :  } الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقبلوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سؤ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم { .آل عمران 173 .
وقال تعالى : } إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم
مؤمنين
{. آل عمران 175
فالشيطان هو الذي يضخم من شأن أولياءه الكفار ، ويلبسهم لباس القوة والقدرة ويوقع في القلوب أنهم ذو حول وطول ، ليحقق بهم الشرَّ في الأرض وليُخضع لهم الرقاب ويُطوع لهم القلوب ، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار 
وتحت ستار الخوف والرهبة ، وفي ظل الإرهاب والبطش ، يفعل أولياء الشيطان ما يُقِرُّ عينه في الأرض ، فيخفتون صوت الحق والعدل ، دون أن يجرؤ أحد على جلاء الحق الذي يطمسونه .
إن الأحداث في العالم بعامه وفي المناطق الإسلامية بخاصة ، تشي بأن الإسلاميين قد وُضعوا من حيث يدرون أو لا يدرون ، ومن حيث يريدون أو لا يريدون في وسط الصراع الدائر في أكثر بقاع العالم ، فما من منطقة توتر في الدنيا إلا وضع الإسلاميون طرفاً أساسياً في النـزاع فيها  فكثيراً ما يجد الإسلاميون أنفسهم في صدر الأحداث وفي صفها الأول ، وهم غير قادرين على تقدير قوة أعدائهم ، ولا تقدير قوة أنفسهم  حيث أن قوتهم تفوق قوة أعدائهم لو وجد الاتفاق والوفاق والتناصر والتناصح ، ووجد الأخذ بقوانين القوة وأسباب التمكن وعوامله  الذي وعد الله به عباده ولو كانوا مستضعفين قال تعالى : } وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض {  .
جاء الوعد في الآية بالاستخلاف والتمكن ، فهل نحن مستعدون لتحقيق ذلك ؟ والسؤال هنا ليس سؤالاً عن الاستعداد بالسلاح والعتاد ، ولكن السؤال عن الاستعداد بحيازة أسلحة النصر الربانية  فهل لنا من أفعالنا وأقوالنا وأحوالنا ما نستنـزل به رحمات الله وتأييده الذي يؤيد به أولياء ؟
أم أننا ما زلنا نحتفظ بحقوق الفشل وعلى رأسها التنازع والتدابر والتنافر ؟  ومهما بلغت بلاغة المتحدثين عن أسباب ضعفنا وهواننا ، وقلة حيلتنا وطول عجزنا أمام الأعداء ، فلن تصل إلى الوصف الجامع البليغ في القرآن حيث حذرنا الله فقال : } وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكُم واصبروا إن الله مع الصابرين { . الأنفال 46 .
إنه التنازع فماذا يبقى بأيدي الإسلاميين عندما ينـزع بعضهم عن بعض أسباب القوة
 والاحترام ؟
 لن يبقى إلا الفشل بالطبع ، حيث يكون هذا الفشل هو الإنجاز الأكبر ، وعندها ما عليهم إلا أن يتقاسموه فيما بينهم ، لأنه الثمرة الطبيعية التي تصنعها أيدي الغافلين .   قال تعالى : } أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ذهب نفسك عليهم حسراتٍ إن الله عليهم بما يصنعون {. فاطر 8 .
 إن ما ذكرته الآية ينطبق على ما يقوم به الكفر وأعوانه ، الذين عميت قلوبهم حتى حسبوا أن كل خطوة يخطونها فيها الخير والصلاح ، مع أنها في الحقيقة تحمل للبشرية الدمار والخراب ، وإن دول الكفر بالنسبة لقضايانا هي الخصم والحكم  ورحم الله أبا الطيب المتنبي الذي قال :

   ومن نكد الدنيا على الحر أن     يرى عدواً ما من صداقته بد

وكم من المتابعين للأحداث يرون المواقف الداعمة لإسرائيل من دول الكفر ، يدور في خلدهم معنى هذا البيت من الشعر ، مما يدل على أن الكثيرين من بني جلدتنا آمنوا بالهزيمة النفسية ، حتى باتوا يتعاملون مع الواقع كما لو أنه قدر لا مناص منه  وعملوا على الاستسلام له ، ووافقوا ونادوا بالسلام ، لكنه سلام هش ، كراعٍ قال لغنمة كش هذا يتمتع وذاك يتمتع والكل منه يجرّع . وهنا نتسائل : هؤلاء الذين يأكلون ويشربون ويلبسون من كدّ شعوبهم ولاؤهم لمن ؟
وهل يمكن أن نعتبر ولاءهم وسيرهم في ركاب الغرب الكافر نوع من أنواع الاستعمار لا بد أن يحمل عصاه ويرحل ، وقد رحل وقد اعتبر يوم رحيله عن كل بلد عيداً قومياً تعطل فيه الدوائر أعمالها  لكنه رحل وترك عصاه يحركها بالتحكم عن بعد .
أما الشعوب فتعيش على أعصابها من جراء الحرب الإعلامية ، وقد أصيب الكثير من المسلمين بداء التلقي من الغرب والثقة العمياء بما يقولون ، مع أن بعض المفكرين والمؤرخين الغرب فضح الزيف الذي دأب الغرب على ترويجه ، يقول المؤرخ البلجيكي  سيجفريد فيربيكا في لقاء له مع جريدة البيان الإماراتية : إن غالبية وسائل الإعلام الأوروبية تقع تحت سيطرة لوبي صهيوني اقتصادي سياسي قوي ذي نفوذ لا أستطيع إنكاره ، وسرعان ما تتهم هذه الوسائل الباحثين والدرسين والمؤرخين الحياديين لحقائق التاريخ بالكذب  وتصفهم بالتطرف والإرهاب في حالة إعلانهم لتفاصيل وشواهد تثبت وجهة نظر مخالفة لهم ، أو تظهر حقائق تكشف أكاذيبهم .
لقد أصبح الإرهاب مصطلحاً مهماً في قاموس السياسة ، فاعتبروا مقاومة الاحتلال إرهاباً ، أما الممارسة الإرهابية التي تفرض على الشعوب فليست إرهاباً . إن ما نراه اليوم من غطرسة الأعداء  وانجراف المسلمين في التعامل مع الكفر وأعوانه جرّ على امتنا الذل والهوان ، مما وسّع حجم الخسائر على كافة المستويات ، من الهوان والذل إلى التنازل الذليل ، إلى ضياع الأرض وانتهاك الحرمات وتدفق الدماء .
والدعم والولاء منقطع النظير ، وامتنا في النهاية هي الضحية وهي الخاسرة ، قد تكون الغاية التي تتطلع إليها دول الكفر ، هي السيطرة الكاملة على أهم المواقع الإستراتيجية في العالم ، ويبدو أننا نحن المسلمين دولاً وشعوباً قد وقع الاختيار على أراضينا لتكون أحد مرتكزات هذه السيطرة  وأهم أدواتها المسخرة ، فهي تواجه منافسيها في العالم وليس بينها وبين أكثر هؤلاء المنافسين حدوداً مشتركة ، ومع ذلك فهي تخوض الغمار إليهم لتنازلهم في عقر دارهم ، انطلاقاً من قعر دورنا في أكثر من موقع ، إن لهذه الدول  تطلعات حالية ومستقبلية للتسلط والتنافس في مناطق عديدة من العالم ، بدءاً من الصين والقارة الهندية ومروراً بآسيا الوسطى وروسيا ووصولاً إلى شرق أوروبا ووسطها وانتهاءً بالشرق الأوسط والقرن الأفريقي ، وإذا كانت الأطماع ليست قاصرة على بلداننا الإسلامية ، إلا أن كثيراً منها تقع في أماكن تماس من بلدان وشعوب البلاد الإسلامية تفضل دول الكفر أن تتخذ منها ظهوراً وطيئة للركوب ، توصل للمطلوب بأقل مجهود وأثمن مردود ، وإذا احتاجت لقواعد فمرافقنا جاهزة للقعود ، إن هذا الأخطبوط يلف الآن ببطء بذراعه السياسي في الأمم المتحدة  وذراعه الاقتصادي في صندوق النقد الدولي هذا بالإضافة إلى الأذرعة الأخرى المتنوعة  التي يمكن أن تلف على العديد من المناطق الحساسة في العالم  ليدخلها في سلاسة أو يحشرها بشراسة ، داخل قوقعته المسماة بالعولمة حيث الاستسلام أو الموت فهي تريد أن تمكن لنفسها ، وتؤمن موقعاً مستقراً لتحرم روسيا من أحلام العودة إلى مصاف القوى العظمى ، حتى تتفرغ لمواجهة الصين التي تشير الدلائل بأنها ستحتل مكان روسيا في التسبب لأمريكا بالقلق الدائم ، والشعوب الإسلامية هي الضحية .